الشيخ محمد رشيد رضا
321
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قال في أندادهم ( يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ) - وهو يتضمن إثبات حبهم للّه - ويتصدقون ويصلون الارحام ويفعلون غير ذلك من أعمال البر ويمتنعون عن الفواحش خوفا من اللّه - فهل يسوي الحكم العدل بينهم وبين مرتكبي الفواحش والمنكرات والجنايات من الكفار ولا سيما الجاحدين المعطلين ومكذبي الرسل منهم ؟ حاش للّه . نعم صح الحديث عند مسلم بأنهم يجازون على حسناتهم في الدنيا وهو لا يمنع وزنها في الآخرة وأن لا يكون لها مع الكفر والسيئات دخل في رجحان موازينهم وجملة القول أن المسلمين اختلفوا في هذا الوزن والموازين هل هي عبارة عن العدل التام في تقدير ما به يكون الجزاء من الاعمال وتأثيرها في إصلاح الأنفس وتزكيتها ، وفي افسادها وتدسيتها ، أم هنالك وزن حقيقي حكمته اظهار علم اللّه تعالى بأعمال العباد وعدله في جزائهم عليها ؟ ذهب إلى الأول مجاهد من مفسري السلف - وكذا الأعمش والضحاك حكاه الرازي عنهما - والجهمية والمعتزلة . قال مجاهد في الآية كما في الدر المنثور « والوزن يومئذ الحق » قال العدل « فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ » قال حسناته « وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ » قال سيئاته اه وروى ابن جرير نحوه عنه وسيأتي فيما لخصه الحافظ ابن حجر والجمهور على الثاني بل قال أبو إسحاق الزجاج - كما نقل الحافظ عنه - أجمع أهل السنة على الايمان بالميزان وان أعمال العباد بوزن يوم القيامة وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالاعمال ، وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة لان اللّه أخبر أنه يضع الموازين لوزن الاعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين . وقال ابن فورك : أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الاعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها . قال وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن اللّه تعالى يقلب الاعراض أجساما فيزنها . انتهى نقل الحافظ ابن حجر ما ذكر في شرح آخر باب من أبواب البخاري وهو ( باب قول اللّه ( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) وان أعمال بني آدم وقولهم توزن ) وقفى عليه بقوله : وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء فأسند الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) قال انما هو مثل كما يجوز وزن الاعمال كذلك يجوز الحط - ومن طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : الموازين العدل . « تفسير الآن الحكيم » « 41 » « الجزء الثامن »